محمد جواد مغنية
105
علم أصول الفقه في ثوبه الجديد
واجبها ، لأن الغرض من وجوبها هو التوصل بها اليه ، ومع الاصرار على تركه فلا داعي لوجوبها . وبكلمة : لما ذا نصب السلّم إذا لم ترد الكون على السطح ؟ وهذا القول يحمل في طياته الرد عليه ، لأن معناه ان التكاليف الشرعية تناط بإرادة المكلف ، وعندئذ يسوغ لقائل أن يقول : وعلى الاسلام السلام ! . أما الباعث الأول على هذه الدعوى الغريبة فهو تصحيح العبادة إذا كان تركها مقدمة لواجب أهم ، مثال ذلك أن يضيق وقت الصلاة ولا يبقى منه إلا بمقدار فعلها فقط ، وصادف في هذا الوقت الضيق ان من يريد الصلاة فيه رأى غريقا يقدر على غوثه وخلاصه . وعندئذ يجب عليه ترك الصلاة كمقدمة - في رأيه - لاستنقاذ الغريق لأنه أهم وأعظم ، وعليه يكون فعل الصلاة في هذا الوقت محرما ، وتركها واجبا ، فإذا قدّم الصلاة على غوث الغريق تكون باطلة لأنها محرمة وغير مقبولة إذ لا يطاع اللّه من حيث يعصى ، هذا إذا كان قاصدا خلاص الغريق بعد الصلاة ، أما إذا كان منصرفا عنه منذ البداية فلا يكون ترك الصلاة واجبا لأنه ليس بمقدمة في هذه الحال ، وبالتالي فلا يكون الإتيان بالصلاة محرما ويصح التقرب بها إلى اللّه . وندع الكلام عن ذلك إلى الفصل التالي « مسألة الترتب » فإلى هناك . وقال آخر : لا بد في المقدمة من قصد التوصل بها إلى واجبها كقيد لوجوده لا كشرط لوجوب المقدمة نفسها ! ونسب هذا القول إلى الشيخ الأنصاري في التقريرات ، وأنكر الأقطاب هذه النسبة إلى الشيخ الكبير لأن مثلها لا ينسب إلى مثله ، كيف ؟ ووجوب الواجب إنما يتوقف على مجرد وجود المقدمة - غير الطهارات الثلاث - سواء أقصد بها التوصل إلى واجبها أم لم يقصد ، بل يوجد الواجب النفسي حتى ولو قصد عدم التوصل بمقدمته كما هو الشأن في الساتر حين الصلاة ، فكل المصلين يلبسونه بدافع آخر غير التوصل إلى صحة الصلاة ومع هذا تصح بلا ريب . وربما كان السبب الموجب لهذا القول أن عنوان المقدمة لا يتحقق إلا بهذا القصد ، ويرده بأن عنوان المقدمة يتوقف على إمكان التوصل بها لا على قصده . الأصلي والتبعي قال بعض الأصوليين : ينقسم الواجب أيضا إلى أصلي وتبعي . ولم أجد لهذا